مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح 

القدوة المفقودة!!!


لا تعاني مجتمعاتنا اليوم من نقص في المعلومات، ولا من قلة وسائل الاتصال، لكنها تعاني أزمة أشد خطورة، هي أزمة القدوة. فالأجيال الجديدة أصبحت محاصرة بعشرات النماذج التي تتصدر المشهد لمجرد أنها حققت ملايين المشاهدات، بينما تراجع إلى الصفوف الخلفية أصحاب العلم والفكر والإبداع والعطاء. وهكذا اختلطت المعايير، وأصبح المشهور بديلاً عن الجدير، وأصبحت الشهرة في نظر البعض إنجازًا، ولو كانت بلا رسالة أو قيمة.
ولأن الإنسان مفطور على البحث عمن يقتدي به، فإن غياب القدوة الحقيقية يفتح الباب أمام قدوات زائفة، تصنعها منصات التواصل الاجتماعي، ويمنحها الإعلام أحيانًا مساحة أكبر مما تستحق. فيكبر الشاب وهو يظن أن النجاح يعني جمع المتابعين، وأن التأثير يقاس بعدد الإعجابات، لا بما يقدمه الإنسان لوطنه أو لدينه أو لمجتمعه.
لقد أدرك الإسلام منذ البداية قيمة القدوة، فجعل السلوك قبل الكلام، والعمل قبل الادعاء. فما أكثر الخطب التي تُلقى، وما أقل من يحولها إلى واقع يراه الناس في حياتهم اليومية. فالقدوة لا تصنعها الشعارات، وإنما يصنعها الصدق، والأمانة، والإخلاص، واحترام الناس، والالتزام بالقيم في السر والعلن.
وتبدأ القدوة من البيت، حيث يرى الأبناء في والديهم أول مدرسة للأخلاق. ثم تمتد إلى المدرسة، حيث لا ينسى الطالب معلمًا أحسن إليه أو غرس فيه قيمة نبيلة. ثم إلى المسجد والكنيسة، حيث ينبغي أن يكون الخطاب مقرونًا بسلوك يبعث على الثقة والاطمئنان. كما تمتد إلى المسؤول الذي يحترم القانون، والطبيب الذي يخلص في عمله، والقاضي الذي يحكم بالعدل، والعامل الذي يؤدي واجبه بإتقان.
وللأسف، فإن بعض وسائل الإعلام أسهمت في تكريس الخلل، حين جعلت الإثارة أهم من الرسالة، واحتفت بمن لا يملكون سوى الضجيج، بينما غابت عن الشاشات صفحات مضيئة من حياة العلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب المبادرات الإنسانية. إن المجتمع الذي يرفع من قيمة التفاهة لا ينبغي أن يندهش إذا تراجع احترام العلم والعمل.
إن استعادة القدوة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية الأسرة، والمدرسة، ودور العبادة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية. كما أنها مسؤولية كل إنسان يدرك أن أبناءه وتلاميذه وزملاءه يتعلمون من أفعاله أكثر مما يتعلمون من كلماته.
لسنا بحاجة إلى أبطال من الخيال، وإنما إلى نماذج حقيقية تعيش بيننا، تثبت أن النجاح لا يزال يقترن بالأخلاق، وأن النزاهة ليست ضعفًا، وأن خدمة الناس شرف، وأن حب الوطن عمل وليس شعارًا. فهذه النماذج هي التي تعيد الثقة إلى النفوس، وتغرس الأمل في قلوب الشباب.
إن الأمم لا تنهض بكثرة الوعظ، وإنما بكثرة القدوات. وإذا أردنا أن نستعيد منظومة القيم، فعلينا أن نعيد الاعتبار لكل إنسان مخلص يؤدي واجبه في صمت، وأن نقدم أبناءنا إلى أصحاب الرسالة لا إلى صناع الضجيج. فحين يعود الاحترام إلى أصحاب العلم والخلق والعمل، ستعود القدوة إلى مكانها الطبيعي، وسيجد شبابنا الطريق إلى مستقبل أكثر وعيًا وثباتًا.